أبي الفرج الأصفهاني
380
الأغاني
الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم ؛ فاستشار النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الناس وأخبرهم / عن قريش ، فقام أبو بكر فقال فأحسن ، ثم قام عمر فقال فأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول اللَّه ، امض لما أمرك اللَّه فنحن معك . واللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون معلمون [ 1 ] . فو الَّذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى برك [ 2 ] الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك حتّى تبلغه . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خيرا ودعا له بخير . حدّثنا محمد قال حدّثنا محمد بن عبيد المحاربيّ قال حدّثني إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى قال حدّثنا المخارق عن طارق عن عبد اللَّه بن مسعود قال : شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه أحبّ إليّ مما في الأرض من كلّ شيء ، كان رجلا فارسا ، وكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إذا غضب احمارّت وجنتاه ، فأتاه المقداد على تلك الحال ، فقال : أبشر يا رسول اللَّه ، فو اللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون ، ولكن والذي بعثك بالحقّ لنكونن بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وشمالك أو يفتح اللَّه تبارك وتعالى . رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق : ثم قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « أشيروا عليّ أيّها الناس » . وإنما يريد الأنصار ؛ وذلك أنّهم كانوا عدد الناس ، وأنّهم حين بايعوا بالعقبة قالوا : يا رسول اللَّه إنا برآء من ذمامك حتّى نصير إلى دارنا ، فإذا وصلت فأنت في ذمامنا ، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا . فكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يتخوّف ألَّا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلَّا ممن دهمه بالمدينة من عدوّه ، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ في غير بلادهم . فلما قال ذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال له سعد بن معاذ : واللَّه لكأنك تريدنا يا رسول اللَّه . قال : « أجل » . قال : فقد آمنّا بك يا رسول اللَّه وصدّقناك وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض بنا يا رسول اللَّه لما أردت [ فنحن معك ] [ 3 ] . فوالذي / بعثك بالحقّ لو استعرضت [ 4 ] بنا هذا البحر وخضته لخضناه معك ما يتخلَّف منّا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّا غدا . إنّا لصبر عند الحرب ، صدق [ 5 ] عند اللَّقاء ، لعل اللَّه تعالى أن يريك [ منّا ] [ 3 ] ما تقرّ به عينك ؛ فسر بنا على بركة اللَّه . فسرّ [ 6 ] رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم [ بقول سعد ] [ 3 ] ونشّطه ذلك ؛ ثم قال :
--> [ 1 ] أعلم نفسه : وسمها بسيما الحرب كعلَّمها . [ 2 ] برك الغماد ( بفتح الباء وكسرها ، وبكسر الغين وضمها وقيل مثلث الغين ) ، اختلف فيه فقيل : موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر ، وقيل : موضع في أقصى أرض هجر ، وقيل : بلد باليمن ، وقيل غير ذلك . وورد في « تاريخ الطبري » ( ص 1300 من القسم الأوّل طبع أوروبا ) ما يؤيد التفسير الذي ذكره أبو الفرج . وورد أيضا في « معجم ما استعجم » للبكريّ ( ص 148 ) ما نصه : « . . . وفي حديث هجرة النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه لما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا إلى الحبشة ، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنّة . . . إلخ » . [ 3 ] زيادة عن « السيرة » . [ 4 ] استعرض البحر : أتاه من جانبه عرضا . [ 5 ] يقال : رجل صدق اللقاء وقوم صدق ( بالضم ) ، ومثاله فرس ورد وأفراس ورد . ( انظر « اللسان » مادة صدق ) . [ 6 ] في الأصول : « فسار رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ونشطه ذلك » . وما أثبتناه عن « السيرة والكشاف » للزّمخشري في تفسير سورة الأنفال .